Logo of lobnanuna

"المتن المجهول" يكشف سيرة محود درويش القاهرية

 

رحلة بحثية تاريخية وشعرية، وضرورية يقوم بها سيد محمود في كتابه "محمود درويش في مصر... المتن المجهول" (منشورات المتوسط)، متتبعًا آثار خطوات الشاعر الفلسطيني محمود درويش خلال فترة وجوده في القاهرة.

 يكشف الكتاب كيف كانت مصر رحلة استثنائية في حياة محمود درويش، وأثرها في تحوله من مواطن فلسطيني يحمل الجنسية الإسرائيلية كما هو شأن عرب إسرائيل، شبه منفي في وطنه، محاصر، وسجين، إلى مواطن عالمي، ونجم من نجوم الشعر، من حقه أن يذهب أينما شاء، وبالتالي فتحت المجال لصوته وقصيدته أن تنتشر وأن تعبر الحدود أكثر مما كان عليه الأمر من قبل.

 

مؤلف الكتاب سيّد محمود مع الشاعر محمود درويش

 

 

أروقة الأرشيف

يبدأ سيد محمود رحلته في تتبع أثر درويش عبر أروقة الأرشيف، ودهاليز البيروقراطية الورقية المصرية، في صحيفة الأهرام العريقة، التي تتمتع بأرشيفٍ من أهم الأرشيفات الصحفية العربية. هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى، لكون درويش قد عمل في الأهرام، وذلك بعد عملة لفترة قصيرة في دار الهلال (بصيغة غير رسمية)، ثم في إذاعة صوت العرب، حيث انتقل للأهرام كمحرر في مركز الدراسات الفلسطينية، والذي سيصبح لاحقا "مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية"، ثم في مجلة الطليعة التي كان يشرف عليها لطفي الخولي.

ورغم عمل درويش رسميا كمحرر في الأهرام، بمرتب شهري كبير بلغ آنذاك 140 جنيها، لم يجد المؤلف أثراً لأي ملف وظيفي بين ملفات موظفي الأهرام للشاعر الفلسطيني الراحل. ولكن ما أسعفه هو مخزن آخر للملفات يعود الى الإدارة المالية التي تحتفظ بكافة السجلات الخاصة بصرف المكافآت للموظفين والمحررين والكتّاب، ومنها تمكن من إيجاد الأثر التاريخي لعمل درويش في الأهرام، فبدأ ينفض الغبار عن الأوراق ليعود في الزمن، ويبني جسرًا يحاول به اقتفاء الأثر والوصول إلى صورة صاحب الأثر في المكان.

 
 
محمود درويش
 
 
وثائق وشهادات

يبني مؤلف محمود درويش جسره الأرشيفي لإحياء متن مجهول لأحد نجوم الشعر العربي، خلال فترة وجوده في القاهرة بين مايو 1970 وحتى نهاية 1972 تقريبا، مستعينًا بشهادات بعض من عايشوا تلك الفترة، مثل الكاتبة المصرية صافيناز كاظم التي كانت أول صحفية تجري حوارًا مع الشاعر فور وصوله الى القاهرة بتكليف من أحمد بهاء الدين حين كان رئيسا لتحرير دار الهلال.

 وكذلك منى أنيس، التي كانت من ضمن الذين وجهوا اليه دعوة ليلقي شعراً في الجامعة المصرية خلال فترة اعتصامات الطلبة اعتراضًا على تأخر السادات في قرار الحرب ضد إسرائيل، وأسماء أخرى.

 

هذا بالإضافة إلى تتبع المقالات والحوارات الصحافية التي نشرت عن تلك الفترة لكتاب مثل رجاء النقاش وأحمد بهاء الدين وغيرهما، من الكتاب العرب الذين تناولوا تلك الفترة بشكل عام، إضافة إلى تحقيق صحفي نشره الشاعر أحمد الشهاوي عن تلك الفترة، إضافة للرسائل المتبادلة بينه وبين سميح القاسم ومواد صحفية أخرى.

يحاول سيد محمود أن يبني قصة خطية للأحداث تبدأ من وجود درويش في حيفا، شاعرًا مبشرًا بموهبة لافتة ترعاها بعض الأسماء المهمة مثل إميل حبيبي، ولكن المحاصر من السلطة الإسرائيلية، والخاضع للإقامة الجبرية كما هو شأن كافة الفلسطينيين، وخصوصًا من أطلق عليهم عرب إسرائيل، كان سجينًا أيضا بسبب نشاطه السياسي.

 ثم يتتبع سفر درويش وقاسم في أحد المهرجانات الشعرية في صوفيا نهاية الستينات التي مثل فيها درويش إسرائيل مع محمود القاسم، ومدى المرارة التي كان يشعر بها بسبب الهجوم الذي تعرض له. وهي المرارة التي عبّر عنها في رسالة لصديق دربه سميح القاسم:

 

"هل تذكر كيف كان أشقاؤنا العرب يخطفوننا سرّا، ويحيُّوننا سرّا، خوفا من عرب آخرين، أدانوا بقاءنا هناك في بلادنا، وطالبونا بأن ننهي هذا التناحر الضاري بين هويتنا وشروط شعرنا بأن نتخلى عن جواز السفر أو وثيقة السفر؟".

وقد تم منع شعر درويش من التداول في سوريا عقب هذا المهرجان، وهي التقاطة كاشفة أولا لأزمة تعاطي المثقفين العرب مع قضية عرب 48 الذين رفضوا التهجير أو مغادرة أرضهم حتى لو كان ذلك مقابل الحصول على وثيقة إسرائيلية، ورغبتهم في البقاء في فلسطين للأبد، ومقاومة المستعمر من الأرض، وتحملهم لكل العداء والهجوم من العرب بالشكل الذي عبّر عنه درويش في رسالته إلى القاسم. وتاليًا تكشف هذه القضية أيضًا الطابع السلطوي والأبوي والاستبدادي للمثقف العربي حين يعارض ما لا يوافق قناعاته فيحول نفسه لسلطة تحرم وتمنع وتكفر فورا كل من يختلف مع قناعاته.

كانت المحاولة الثانية التي أراد بها درويش أن يتنفس بعض هواء الحرية، السفر لروسيا من أجل الدراسة، وهناك ترتبت بعض الصدف التي مهدت لانتقاله للقاهرة.

 


محمود درويش في القاهرة

 

من موسكو إلى القاهرة

يبني سيد محمود من الشهادات والوثائق ومذكرات بعض من عاصروا تلك المرحلة تفاصيل سردية محمود درويش في موسكو، يوازيها سردية التبشير بشعره في القاهرة عبر أصوات عدد من المثقفين المصريين ممن تولوا تحرير دوريات ثقافية مهمة مثل كامل زهيري، ورجاء النقاش، صلاح عبد الصبور، أحمد بهاء الدين وغيرهم.

لم يجد سيد محمود دليلاً دامغًا على لقاء عبد الناصر بمحمود درويش في الاتحاد السوفيتي، ولكن عبر مذكرات السفير المصري في موسكو آنذاك مراد غالب، وهو مهندس انتقال درويش للقاهرة، نرى دلائل مباركة عبد الناصر وربما رغبته أيضًا في وجود درويش في مصر والإعداد لذلك بشكل جيد والاحتفاء به وربما تنجيمه أيضا بحيث يصل للقاهرة نجمًا في سماء القاهرة.

 

يتتبع الكتاب تفاصيل وصول درويش الى القاهرة بصحبة مراسل الأهرام في موسكو عبد الملك خليل، والأسبوع الذي قضاه في أسوان للنقاهة، والحفاوة التي قوبل بها في كل مكان في مصر، والأبوة الرهيفة التي كنها له أحمد بهاء الدين بوصفه إياه بـ "فلذة كبدي"، وتدبيره له العمل في دار الهلال، ونشر أول لقاء صحفي معه أجرته صافيناز كاظم، وفتح الصحف والدوريات المصرية الباب لنشر قصائده والتبشير به كشاعر للمقاومة، ورمزا للقضية الفلسطينية.

أحب درويش القاهرة، ووجد فيها صورة تختلف تماما عن الصورة التي انطبعت في ذهنه عنها، ما يوضح كيف أن الكيان الصهيوني كان يرسخ صورة سلبية عن مصر بشكل ما، حولها لصورة ذهنية لمن يعيشون في الأرض المحتلة.

 ويقتفي الكتاب أيضا صورة تقول بأن درويش في القاهرة فضل العزلة عن الوسط الثقافي المصري، ويرى فيها لونا من مجافاة الوقائع التي يتتبعها سيد محمود عبر مقابلات صحفية ووثائق، تثبت علاقات درويش بعديد المثقفين والكتاب والشعراء وصداقته الوثيقة بهم.

 

ولكن ثمة مفارقة أساسية تعرضت لها رحلة درويش في القاهرة، وهي وفاة جمال عبد الناصر، وانقلاب السادات على رجال ناصر، وبينهم كل من كانوا وراء دعوة درويش الى القاهرة.

كان ثمة تحولات وتغيرات طاولت رموز الصحافة وبينهم أكثرهم استقلالا عن السلطة أحمد بهاء الدين، وهم من دعموا وجود درويش، وهنا جاء دور محمد حسنين هيكل لحماية بهاء الدين بدعوته للعمل في الأهرام، ويبدو أيضا أنه كان وراء انتقال درويش للعمل في الأهرام. فكان درويش قد وصل الى القاهرة في التوقيت الخطأ، كما يشير الكاتب.

 

تفاصيل كثيرة لافتة يتضمنها هذا الكتاب الشيّق، الذي يتابع مسيرة درويش كمناضل، وسيرته كشاعر، وكيف كان انحيازه للشاعر أكثر من السياسي يوجه الكثير من قراراته، وتحركاته. ويضيء صورته كشاعر المقاومة البطل، وأيضا كشاعر الحب والجمال.

تمكّن سيد محمود من جمع كافة مقالات درويش التي نشرها في القاهرة، ومقالات الكتاب المصريين والعرب التي تناولته في تلك الفترة العصيبة، ما يجعل من الكتاب وثيقة تاريخية وأدبية تتيح التعرف على مرحلة مهمة في تاريخ العالم العربي، وفي مسيرة درويش وتجربته، وتكوّن صورة شاملة للتصورات الفنية له حول القصيدة خلال تلك المرحلة وبشائر نفوره من اختزال تجربته في الشعر النضالي.

المصدر : النهار
المرسل : news lobnanuna
منذ 3 شهر 1 أسبوع 5 يوم 5 س 25 د 2 ث