Logo of lobnanuna

لقمان بكر ابن عكار يحكي مأساته... الشعب 70% منه فاسد كالزعماء

منذ الأحد الماضي، كانت عكار اللبنانية في الواجهة، دم ودمار ووجع وذل، وكُل غضب الدنيا في بقعة واحدة.

إنها منطقة محرومة.. يعترف بذلك كُل اللبنانيين، حتى نواب المنطقة والمسؤولين ومن يقولون إنهم مهتمون بالناس ومعيشتهم ولقمة عيشهم، جميعهم يعلمون أن عكار متروكة.. ويجاهرون بذلك.

يستمع لقمان بكر، 28 عاما، منذ سنوات للمسؤولين ووعودهم، مُنذ أن بدأ يشعر بالفقر يحيطه وعائلته من كل مكان.. الفارق بينه وبين أبناء جيله أنه لم يُصدق يوماً كل الوعود التي أطلقوها. في زمن ليس ببعيد كان تيار المستقبل في كل بيت عكاري، حتى في بيت لقمان، لكنه لم يقتنع يوماً أن "هؤلاء يستطيعون أو لديهم رغبة في التغيير أو في تحسين حياة الناس، كلّهم يخسرون في حال اهتموا بحياة الناس وببناء المؤسسات في بلادنا المتروكة، لأنهم حينها لن يجدوا من يقرع بابهم قبل الانتخابات أو في أي مناسبة أخرى".


 
ولد لقمان في ضيعة المحمرة في عكار، وتربى فيها مع 8 أخوة، جميعهم ليسوا بأفضل حال منه، تشاركوا الخبز والزيتون، حين يجدوه. لم ينتظر كثيراً، طفولته انتهت حين بلغ 12 عاماً، فاضطر لترك المدرسة والبحث عن لقمة عيشه في أي مكان يجده: أعمال الميكانيكا، تلحيم، حدادة وبويا، زراعة. لم يترك شيئاً، كُل ما هو متوفر ويأتيه بالقليل من المال، فرصة لكي يلتقط أنفاسه، أن يشعر ولو قليلاً أنه إنسان يستطيع أن يشتري حذاء، أو أن يذهب كباقي الأطفال يوم العطلة ليتناول الحلوى.

عاش لقمان حياته، سنوات بأكملها ينتقل من "كاراج" لآخر، يتعلّم مصلحته أكثر، ويُتقنها لأنها مهربه إلى الحياة. كدّ كثيراً، لا يذكر يوماً شعر فيه بالراحة أو أن بإمكانه أن يعيش لنفسه. ملامحه حزينة من كثرة التعب والانهزام. شقاؤه ترك على وجهه حزناً لا يمكنه التخلّص منه حتى في عز لحظات النشوة. هو دائم القلق ومُدرك تماماً أن آماله لا قيمة لها.. لا أفق لها.


 
شاب بسيط، لا يطلب الكثير ولا يريد سوى أن يحيا، أن يتنفس، حين وقع انفجار التليل، شعر أن الدنيا كلها صارت ضده وضد أهله. كان ينظر إلى الجنود الذين يقفون على مقربة من مكان الانفجار يحرسونه، ويقول: "هؤلاء أهلي. أخوتي. أعرفهم جميعاً ونتقاسم معهم يومياً الخبز والملح. يجمعنا الفقر والظلم. نحيا سوياً ونموت سوياً. انفجار عكار يُلخص حياتنا".

بعد الانفجار لم يعد لديه القدرة على إقناع نفسه أن الأمور ستتغير. نسبة الخمسة بالمئة من الأمل التي كان يحتفظ بها ألقاها بجوار خزان المحروقات الذي أضرم فيه النار وأخذ معه 28 ضحية.

برأي لقمان: "الشعب مع الأسف 70 بالمئة منه فاسد كالزعماء. تراهم يحتكرون ويستغلون الناس والأزمة من أجل كسب القليل من المال أو الكثير، متشابهون مهما اختلفت درجات فسادهم. غايتهم واحدة الفارق بينهم أن هناك من هو أدهى من الآخر في كيفية استغلال الناس".


 
لم يمرّ على لقمان أيام سوداء مثل التي يمر بها اليوم رغم أنه حياته كلها كانت من ظلام إلى ظلام. اليوم يقارن بين ظلام وآخر. ما يمر به الآن لم يسبق أن اختبره. "ضاع المستقبل، ليس هناك أي شي. في قمّة اليأس والاكتئاب. حقوقنا أهدرها مجرمون يتربعون على عروشهم غير آبهين بكُل ما يحصل لنا.. هؤلاء قتلة".

في 17 أكتوبر 2019، عاش لقمان الحلم 6 أشهر. ترك المنزل لوالديه وأشقائه وراح يبحث عن التغيير في الشارع. الوقت ليس للعائلة بل للوطن، هكذا اعتقد وآمن حتى آخر نفس. يومها وفي عز "النضال الذي كنا نعيشه، تلقيت عرض عمل في السعودية ولكنني رفضته.. قلت لا، أريد أن أحيا في بلدي وشعرت أن هناك شيئاً ما سيتغيّر، ولكن للأسف لم نصل إلى شيء. ضاع الحلم وضاعت فرصة العمل. أردت التغيير وأردت أن آخذ أبسط حقوقي وأحيا كمواطن. ليس أكثر، حتى هذا صعب".

على مدى 6 أشهر تنقل لقمان من عكار إلى طرابلس وصولاً إلى ساحة الشهداء في بيروت. حمل معه اندفاعه وتعب الأيام التي صقلت شخصيته الصلبة. في الصفوف الأولى دائماً: "في بيروت دافعنا عن أهلنا أمام هجمات من أراد إنهاء الاحتجاجات وإدخالها في زواريب الطائفية. المنظومة ذكية ولديها ناسها. حاولنا وواجهنا وبقينا نحاول إلى أن تعبنا. لقد نزفنا حتى آخر نقطة عرق".

كان يعتقد أنه حين ينزل إلى الساحة، أي ساحة، فإنه يطالب بحقوقه وبحقوق كُل الناس. لم يستطع يوماً أن يُصدق كيف كان عناصر الجيش والقوى الأمنية يضربونهم لمجرد أنهم يطالبون بحقهم، وبحق هؤلاء الذين يضربونهم. "كانوا يضربوننا من أجل شخص لا يسأل عنه. هم لا يضربون من أجل المؤسسات والدولة. هم كانوا يضربوننا من أجل أشخاص، زعماء لا يسألون عن أحد". يقول وهو متأثّر.. لقمان ابن عكار وتربى على أن المؤسسة العسكرية معصومة. اكتشف في الساحة أنه في لحظة، الكُل يُصبح متساوياً في الظلم.


 
كُل الغضب المكبوت يخرج دفعة واحدة. ماذا يريد منهم؟ "لا شيء، أنا مُستعد لأن أفعل أي شيء كي أتخلص منهم جميعاً. لقد قتلونا ولم يتركوا لنا أي خيار. لم يعد لدينا ما نخسره..". ولكن ما تقوله خطر. يُضيف: "ماذا سيفعلون، سيعتقلونني؟ فليفعلوا ذلك، لا أكترث وكُثر مثلي. كُل من ذكرتهم قتلة ومصيرهم يجب أن يكون أسوأ من مصير الناس الأبرياء التي احترقت في التليل والتي انفجرت في المرفأ".

هو مُرهق ولكنه وكُل شباب عكار سيخرجون إلى الشارع، شرط أن ينزل الناس معهم. يوم الانفجار كان يتنقل من بيت لآخر ليعزي بالضحايا. قبلها كان يحاول تأمين ما أمكن من أدوية تساعد على التخفيف من الحروق التي أصابت عشرات من أصدقائه وأبناء منطقته من جراء الانفجار. قبلها كان يحرق إطار سيارة ليقطع الطريق اعتراضاً. قبلها كان مُحبط، عاش النشوة ثم عاد إلى إحباط أكبر.

يقف لُقمان إلى جانب شاحنة تحترق ببطء. يمسك هاتفه ويتصفح الأخبار، يقرأ تصريح رئيس الجمهورية ميشال عون عن مجموعات متشددة في المدينة. يبتسم، يُقفل هاتفه ويمضي إلى جانب رفيقه، يقول له: "بحسب ما يقول الرئيس، لقد مات اليوم عشرات من الدواعش حين كان الجيش اللبناني يوزع عليهم الوقود". يبتسمان ويكملان طريقهما إلى السيارة، ثُم إلى المنزل، ثم إلى يوم جديد من محاولة البقاء على قيد الحياة.
المصدر : الحرة
المرسل : news lobnanuna
منذ 1 شهر 1 أسبوع 2 يوم 12 س 23 د 49 ث