Logo of lobnanuna

لبنان: أطفال ينامون بلا حليب وواحد من خمسة أشخاص بلا عمل!

""درج": باسكال صوما - صحافية لبنانية

تُغلق البيوت على أسرارها، وتُغلق في بلادنا على بؤسها، لا سيما في مناطق الأطراف المنسية، حيث قد ينام أطفال من شدة البكاء لعدم توفر الحليب الذي تناطح أسعاره 200 ألف و300 ألف ليرة أي ما يساوي ثلث مدخول عائلات كثيرة.

“أشعر بأنني أم سيئة، إنه شعور يطغى عليّ كلما وضعت رأسي على الوسادة. يؤلمني أنني لم أعد قادرة على شراء لوح الشوكولا الذي يحبّه ابني. يؤلمني أنني أقطّر الحليب لأنني لا أعرف إن كنت سأستطيع شراء علبة جديدة، أو إن كنت سأجد من يساعدني”، هكذا تروي هدى معاناتها بعدما خسرت عملها في محل للألعاب، وكذلك خسر زوجها عمله كناطور بناية.

“أختي اشترت لي علبة حليب قبل أيام، لا يمكن أن أشرح لك كيف كان رد فعل ابني حين رآها، بدأ يرقص من فرحته… فيما أجهشت بالبكاء”، تضيف هدى: “أنا أبحث عن عمل وزوجي كذلك، لا يمرّ يوم من دون أن نحاول إيجاد نهاية لهذه المأساة. لا أتصوّر أن هناك شيئاً أقسى من ألا يستطيع الأهل تأمين أبسط حاجات أولادهم. أنا وزوجي نأكل أحياناً خبزاً ناشفاً أو فضلات طعام، حتى نوفر المال لتأمين الحليب والفيتامينات الضرورية لابني. إنه لا يتجاوز السنتين، لا أتوقف عن الشعور بالذنب حياله”.

ألقت الأزمة الاقتصادية والمالية بأثقالها على كاهل الفقراء ومحدودي الدخل بشكل خطير جداً في لبنان، فمعاناة هدى هي معاناة كثيرين ممن خسروا مصادر دخلهم مع إقفال مئات المؤسسات أبوابها، مقابل أخرى عمدت إلى تقليص عدد العاملين فيها، في محاولة للصمود. ويُقدر البنك الدولي أن البطالة طاولت شخصاً من كل خمسة في لبنان، وأن 61 في المئة من الشركات قلصت موظفيها الثابتين بمعدل 43 في المئة.

ووفق تقرير لـ”إدارة الإحصاء المركزي”، 55 في المئة يعملون بشكل غير نظامي، مقابل 45 في المئة يعملون بشكل نظامي، على الأراضي اللبنانية، في حين وصلت نسبة البطالة عند فئة الشباب الذين يحملون شهادات جامعية إلى 35.7 في المئة. وتتركّز البطالة وفق التقرير بشكل أساسي في مناطق عكار والجنوب والبقاع الأوسط وعاليه.

وتزداد الأزمة استفحالاً مع المقاطعة الخليجية للبنان، في ظل التضييق الحاصل والكلام عن خطر يتهدد مصير العاملين في السعودية وغيرها من الدول الخليجية ويقدر عددهم بمئات الآلاف وهؤلاء شكلوا بالفعل الدعامة الأخيرة لبقاء عائلاتهم على قيد الحياة، في ظل المآسي المتلاحقة من انهيار الليرة، إلى انفجار مرفأ بيروت، وصولاً إلى الفراغ الحكومي، ثم الاستعصاء في اتخاذ إجراءات تنقذ اللبنانيين أو تخفف آلامهم.

وقد وصلت الأزمة اللبنانية- الخليجية إلى إلى كلام عن احتمال سحب الودائع السعودية وسواها من المصارف اللبنانية، ما يعني المزيد من الانهيار لا سيما لناحية الاحتياطي بالدولار الذي يعاني أصلاً من الاستنزاف.

 

فوفقاً لتقرير “مرصد الاقتصاد اللبناني” الصادر في ربيع 2021، لعل الأزمة الاقتصادية والمالية التي تضرب لبنان هي من بين الأزمات العشر، وربّما من بين الأزمات الثلاث، الأكثر حدةً عالميّاً منذ أواسط القرن التاسع عشر. فقيمة إجمالي الناتج المحلي للبنان انخفضت من نحو 55 مليار دولار أميركي عام 2018 إلى قيمة متوقعة تقدر بنحو 20.5 مليار دولار أميركي عام 2021، في حين انخفض نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 37.1 في المئة.

الهجرة…

حوالى 230 ألف مواطن هاجروا خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2021 الجاري، وفق مؤسسة “لابورا” المعنية برصد الفقر والبطالة في لبنان، كما أن 90 في المئة من اللبنانيين الحاملين لجنسيات أجنبية غادروا لبنان في أيلول/ سبتمبر الماضي، بهدف الهجرة. 

وبذلك باتت حقيبة السفر حاضرة في يوميات اللبنانيين كحل شبه وحيد، إن أمكن الوصول إليه. يقول رولان: “أنا أعمل في شركة لتوزيع الأدوات الكهربائية في منطقة البقاع، راتبي مليون و500 ألف ليرة، أي أقل من مئة دولار، أو بتعبير أدق راتبي لا يساوي شيئاً. أمضي ساعات المساء في البحث عن طريقة للهجرة، وبالفعل قدّمت أوراقي إلى جامعة في بروكسيل، أحاول أن أسافر بمنحة تعليمية لعلني أهرب من هذا الجحيم”. يسكت قليلاً ثم يصيف: “كنت أبحث عن معطف للشتاء، لا من أجل الرفاهية لكنني حقاً أحتاج إلى معطف، تخيلي أعجبني واحد، سعره يساوي راتبي!”.

 

التفكير بالهجرة بات حديث الجلسات الأكثر حضوراً، فحتى من ما زال قادراً على تأمين قوته، بات يفكّر بالرحيل إلى مكان آمن يحترم حقوق الإنسان. “أنا هشلان من هالبلد الفاسد”، يقول جورج، قبيل يومين من موعد طائرته إلى فرنسا، “هشلان وقرفان، فالل حتى ما بقا فكّر بالانتحار”.

تقرير “مرصد الأزمة” الصادر عن الجامعة اللبنانية ذكر ثلاثة مؤشرات مقلقة حول الموجة الثالثة من الهجرة، أي الموجة الحالية، أولها ارتفاع الرغبة بالهجرة عند الشباب اللبناني، إذ أشار إلى أن 77 في المئة منهم يفكرون بالهجرة ويسعون إليها.

أما المؤشر الثاني فهو هجرة الكفاءات والمهنيين، خصوصاً العاملين في القطاعين الصحي والتعليمي.

والمؤشر الثالث هو توقع طول أمد الأزمة اللبنانية، البنك الدولي يُقدر أن لبنان يحتاج بأحسن الأحوال إلى 12 عاماً ليعود إلى مستويات الناتج المحلي التي كانت عام 2017، وبأسوأ الأحوال إلى 19 عاماً.

إقرأوا أيضاً:

لبنان: لا شيء رومانسياً في الفقر حتى أوهام الكرامة

­­
 

دعم التعليم في لبنان واستثناء جامعة الفقراء!

­­
 

“كنت أحلم بالمسرح”

يبدو الحديث عن الأحلام في بلادنا ضرباً من الخيال، فالأمنية الأكثر إلحاحاً الآن هي الحصول على أبسط الحقوق الإنسانية، كالحياة مثلاً.

ريم كانت تحلم بأن تدرس التمثيل وأن تعبّر عن موهبتها، لكن الظروف عاكستها، إذ لم تستطع الالتحاق بالجامعة، لأن المسؤوليات منعتها. “كنت أعمل في شركة عالمية كبيرة للألبسة، لكنها أقفلت أبوابها بسبب الأزمة، وبذلك بقيت بلا دخل لمدة سنة ونصف السنة، مع العلم أنني مسؤولة عن أهلي وإخوتي وأساعدهم في المصروف. عانيت كثيراً خلال هذه الفترة، حاولت أن أنشئ صفحة لأبيع منتجات يدوية، لكن الأمر لم ينجح. قرعت مئة باب. أخيراً وجدت عملاً في شركة، لكننا نتقاضى رواتبنا بالليرة اللبنانية، مع أن الشركة تتعامل بالدولار. حالي كحال كثيرين، راتبي لا يكفيني، لكن ما باليد حيلة”.

 

الخبير الاقتصادي جهاد حكيّم يشير إلى أن “أزمة البطالة باتت مستفحلة بشكل كبير ولا نرى أي سياسات لمعالجتها، فكثيرون لا يرون أمامهم سوى خيار الهجرة أو محاولة إيجاد عمل من بعد مع مؤسسات خارج لبنان للحصول على مداخيل بالعملة الأجنبية، لأن الأفق المحلي مسدود”.

تتفاقم الأزمة الاقتصادية في لبنان مع انهيار قيمة الرواتب بالعملة المحلية الليرة، إذ بات سعر صرف الدولار الواحد يتجاوز الـ20 ألف ليرة لبنانية، في حين أن الحد الأدنى للأجور بات أقل من 30 دولاراً. في المقابل، ارتفعت أسعار السلع والمواد الغذائية بشكل هائل لتتخطى حاجز الـ600 في المئة.

الفقر… 55%

تُغلق البيوت على أسرارها، وتُغلق في بلادنا على بؤسها، لا سيما في مناطق الأطراف المنسية، حيث قد ينام أطفال من شدة البكاء لعدم توفر الحليب الذي تناطح أسعاره 200 ألف و300 ألف ليرة أي ما يساوي ثلث مدخول عائلات كثيرة.

نسبة الفقر في لبنان تضاعفت من 28 في المئة عام 2019 إلى 55 في المئة حتى أيار/ مايو 2020. كما ازدادت نسبة الفقر المدقع من 8 إلى 23 في المئة، وفق لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا “الأسكوا”.

كان يمكن ألا يكون هذا التقرير شبيهاً بورقة نعوة، كانت تمكن الإشارة إلى ضوء ما في الأفق، لكن في الأمر شبه استحالة، فـ70 في المئة من اللبنانيين ينتظرون البطاقة التمويلية التي أقرتها الدولة اللبنانية، إنما حتى الآن لا سبيل لتمويلها… وحتى الآن لا سبيل للنجاة!


المصدر : admin
المرسل : news lobnanuna
منذ 2 أسبوع 1 يوم 13 س 49 د 25 ث