Logo of lobnanuna

جردة 2021 الدولية: كورونا وانتخابات وحروب: الـ 2020 في نسختها الجديدة

تقتضي الموضوعية  الاعتراف بأن العام المنصرم كان بالتأكيد عاما مكمّلا لكوارث الـ 2020، من زوايا عدة. ذلك أن البشرية لم تقض بعد على وباء كورونا، وإن كانت توصلت إلى عدد من اللقاحات التي خففت وطأة انتشار المرض في مرحلة معينة، قبل أن تحل لعنة المتحورات من دلتا إلى أوميكرون..وما بينهما... أما على الصعيد السياسي، فالعام 2021 كان شاهدا على اشتعال كثير من الجبهات دفعة واحدة في وجه سياسة يبدو الانسان في آخر سلم اهتماماتها، فالأولوية للمصالح وصراعات النفوذ...

لا يمكن لأن تعود بنا الذاكرة إلى البدايات الدولية للعام 2021 من دون التوقف عند محطة الانتخابات الرئاسية الأميركية وواقعة الكابيتول. ففي 6 كانون الثاني، وقبل 3 أسابيع من حفل قسم اليمين للرئيس الجديد جو بايدن، وفي أحداث لا يمكن فصلها عن عدم تقبل الرئيس دونالد ترامب الخسارة التي مني بها في صناديق الاقتراع الرئاسية، سجلت مواجهات دامية بين أنصار الرئيس الخاسر والشرطة أمام مقر الكونغرس، اقتحم خلالها مؤيدو ترامب المقر الرسمي، في ضربة سياسية قوية إلى الرئيس الجديد، الكاثوليكي الديموقراطي، الذي نجح في كسب عواطف الجماهير بتعيين أول إمرأة في منصب نائب الرئيس، المركز الذي تشغله اليوم كامالا هاريس.

على أن تجاوز الادارة الأميركية الوليدة قطوع 6 كانون الثاني لا ينفي كون الولاية الرئاسية محفوفة بتحديات كبيرة ليس أقلها ا مواجهة وباء كورونا، الذي كانت الولايات المتحدة أحد أكثر الدول تأثرا به، مع معدلات إصابة مرتفعة... قبل أن يتوصل العلماء في شركات عدة كفايزر ومودرنا الأميركيتين إلى لقاحات تؤمن بعض المناعة في مواجهة المرض.  وإذا كانت هذه النتيجة الايجابية أتاحت الانطلاقة الفعلية للحرب على كورونا بعد عام على ظهور الوباء في ووهان الصينية، فإن السياسة تركت بصمتها في هذا المجال أيضا بدليل دخول شركة سبوتنيك الروسية على خط اكتشاف اللقاحات، بينما طورت الصين، مهد المرض، لقاحا خاصا بها أثار الجدل حول مدى فاعليته في تعزيز المناعة ضد كورونا.

على أن الحرب الباردة بين واشنطن والدب الروسي لم تقتصر على تلك ذات الطابع التجاري مع موسكو وبكين، بدليل أن الصراع بين الطرفين لا يزال دائرا على أشده في سوريا، التي تعد ساحة المواجهة الكبرى بين محور الممانعة (روسيا وايران وأذرعهما العسكرية) والدول الغربية كفرنسا والولايات المتحدة وسواهما.  وإذا كان الرئيس بايدن يفضّل اعتماد مقاربة سلسة للملفات الساخنة، فإن مفاوضات فيينا بين ايران والمجتمع الدولي تبدو وكأنها طغت هذا العام على أخبار آلات الحرب والدمار التي تخطف حياة السوريين العزل الذين لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا في بقعة من الأرض يستسهل الجميع تصفية الحسابات فيها.

 في مفاوضات فيينا، كان الهدف الأميركي واضحا: دفع ايران إلى العودة إلى اتفاق العام 2015، من دون أن يعني ذلك التراجع عن العقوبات الاقتصادية الخانقة على الجمهورية الاسلامية، في انتظار تقديم التنازلات. معادلة لم تستطع طهران التي بات المتشدد ابراهيم رئيسي يحكمها بفعل نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت في حزيران الفائت، أن تتقبلها وتسير بهديها، ما يفسّر الفشل النسبي الذي يحكم المفاوضات في الوقت الراهن. ويذهب البعض إلى تفسير السلوك الايراني المتشدد تجاه المجتمع الدولي بأن طهران لم "تهضم" بعد الضربة القوية التي تلقتها بمقتل القائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري الايراني قاسم سليماني قبل عامين بغارة أميركية استهدفت سيارته في بغداد، تلتها عملية غامضة انتهت إلى إغتيال محسن فخري زاده، أحد العقول المدبرة للبرنامج النووي.

على أن الخسائر الكبرى التي تلقتها طهران لم تقتصر على هاتين العمليتين، بل امتدت إلى الساحات الشرق أوسطية التي تسجل فيها طهران حضورا عسكريا ونفوذا سياسيا. بدليل أن الانتخابات التشريعية في العراق انتهت إلى فوز كاسح للزعيم الشيعي المناهض لطهران مقتدى الصدر. وفي الموازاة، عملت واشنطن على مد رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي بجرعات الدعم والنجاح والصمود في وجه تمدد مخالب ايران في البلاد، مع العلم أن الكاظمي الذي نجا من محاولة اغتيال قبل أسابيع، بدا صاحب مواقف متقدمة جدا في هذا الشأن حيث أعرب مرارا عن معارضته النفوذ الخارجي المهيمن على العراق، الذي انسحبت منه القوات الأجنبية. وهي مواقف يلتقي فيها مع الصدر.

أما في اليمن، الخاصرة الرخوة للسعودية، فالوضع ليس أفضل حالا بالنسبة إلى ايران. ففي وقت تستمر ما تصفها الأمم المتحدة بـ "واحدة من كبريات الكوارث الانسانية" منذ أكثر من 5 سنوات، تبدو القوات الحوثية هدفا ثمينا للتحالف العربي بقيادة السعودية، وهو  ما تشهد عليه المعارك القوية في مأرب في الأسابيع الأخيرة. ذلك أن السعودية وحلفاءها يجهدون في منع الحوثيين من السيطرة على مأرب، المدينة الاستراتيجية في اليمن الذي ما عاد سعيدا منذ زمن، ما يفسر القصف العربي اليومي المركز على الحوثيين في المدينة، ما أوقع المئات من الضحايا في صفوف الموالين لايران.

وبينما كانت ايران الشيعية تسجل الخسائر السياسية، كانت تركيا السنية تعيش أزمة اقتصادية من الأسوأ في تاريخها، في مشهد يذكر إلى حد بعيد بالإنهيار اللبناني المتناسل. ذلك أن الليرة التركية (تماما كما نظيرتها اللبنانية) انهارت أمام الدولار، ما حدا بالرئيس رجب طيب أردوغان إلى تغيير حكام المصرف المركزي في بلاده ثلاث مرات في محاولة لحل الأزمة التي من المتوقع أن تستمر في العام 2022.

وبين ايران الشيعية وتركيا السنية، كانت اسرائيل، الدولة اليهودية القائمة على منطق الاحتلال، تعمل على تقويض النفوذ الايراني في المنطقة في موازاة الانتقال غير السلس للسلطة فيها، حيث أن البلا د شهدت أربع انتخابات نيابية في أقل من عامين، انتهت الجولة الأخيرة منها منتصف العام إلى نقل الرجل القوي بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومات الأطول عمرا في تاريخ الدولة العبرية، إلى معسكر المعارضة، على رأس حزب الليكود المتطرف. أما نفتالي بينيت فنجح في تشكيل حكومة ضمت بين صفوفها زعيم تحالف أزق أبيض المناوئ لنتنياهو بيني غانتس وزيرا للدفاع. وأتت هذه العملية السياسية الطويلة في غمرة موجة التطبيع العربي مع الكيان العبري، التي ركبتها الامارات العربية المتحدة والمغرب والبحرين، على سبيل المثال لا الحصر. وهي دول سجلت عام 2021 قفزات سياسية وثقافية كبيرة، ليس أقل مظاهرها معرض اكسبو دبي 2020 (المؤجل من العام الفائت بفعل كورونا)، الذي حوّل الامارة إلى قبلة السياح والمثقفين الأجانب، وهي التي اتخذت خطوات تصب في خانة جذب الأجانب والمواهب والطاقات إليها، كتكريس يومي السبت والأحد يومي عطلة نهاية الأسبوع ومنح ما سمي الاقامة الذهبية إلى عدد من المشاهير والفنانين العرب واللبنانيين.

في المقابل، أشرف ولي العهدالسعودي الأمير محمد بن سلمان  على النهضة الكبيرة التي عرفتها المملكة، خصوصا على الصعيد الفني، مستفيدة من الانهيار الكارثي الذي تعيشه بيروت المنكوبة بحكّامها الراقصين على جثتها. هكذا استضافت المملكة، التي باتت تسمح لنسائها بقيادة السيارات،  أكبر وأهم العروض الفنية العالمية، في إطار ما عرف بموسم الرياض، في خطوة أراد منها بن سلمان إرسال إشارات واضحة إلى العالم عن قدرة بلاده على الانفتاح على العالم، بعدما وسمت طويلا بالإنغلاق على الذات، تحت ستار تطبيق التعاليم الدينية بحذافيرها.

 أما في دول المغرب العربي، فالصورة لم تكن وردية إلى هذا الحد. ذلك أن تونس، مهد الربيع العربي، ومضرب المثل في الانتقال الديموقراطي للسلطة، شكّلت مفاجأة كبيرة وقّعها الرئيس قيس السعيّد. بعد عقد من الزمن على ثورة الياسمين التي أطاحت الديكتاتور زين العابدين بن علي، قرر السعيّد حل البرلمان وتجميد صلاحيات رئيس الحكومة، وحصر الصلاحيات السياسية في يده، في خطوة فسرت على أنها هدف يسجله الرئيس التونسي في مرمى حزب النهضة الاسلامي المعارض. في المقابل، رأى البعض في القرارات الرئاسية انقلابا على نتائج الثورة. وفي الانتظار توجهت الأنظار إلى ليبيا التي لم تخرج بعد من نفق النزاع الداخلي، بعد عقد على سقوط نظام العقيد معمر القذافي. فالبلاد التي تشلعت بين حكومة طرابلس الغرب التي كان يعترف بها المجتمع الدولي، وقوات الجنرال خليفة حفتر، الرجل القوي في الشرق الليبي. أراد حفتر الترشح إلى انتخابات رئاسية كان من المفترض إجراؤها الأسبوع الفائت. غير أنها انتهت إلى التأجيل بعدما استعر الخلاف السياسي في البلاد، على وقع إبطال الترشيحات الرئاسية لبعض الشخصيات المثيرة للجدل كسيف الاسلام القذافي العائد إلى المشهد حديثا.

وأخيرا وليس آخرا، لا بد من التذكير بأن كل هذه الأحداث السياسية كانت تأسر اهتمام الناس والعالم فيما كانت اثيوبيا الأفريقية ساحة صراع دام بين النظام ومعارضيه في إقليم تيغراي، وهي حرب استنزاف مستمرة منذ تشرين الثاني 2020.  وفي جعبة الـ 2021 حرب من نوع آخر تخوضها نساء أفغانستان وأقلياتها في سبيل نيل حقوق بديهية حرمتهم إياها عودة حركة طالبان إلى الحكم عقب الانسحاب الأميركي من البلاد، بعد حرب دامت عقدين من الزمن وقيل إنها تهدف إلى مواجهة الارهاب والمتطرفين.

وفي الختام وقفة مع سجل وفيات 2021، الذي يضم بين صفحاته أسماء المعارض السوري ميشال كيلو والممثل الكوميدي المصري سمير غانم وزوجته الممثلة دلال عبد العزيز، والرسامة العالمية اتيل عدنان، ومطرب القدود الحلبية الكبير صباح فخري، والناشطة النسوية الكويتية نوال السعداوي، ونقيب الفنانين السوريين الممثل زهير رمضان.   
المصدر : المركزية
المرسل : news lobnanuna
منذ 11 شهر 3 يوم 10 س 31 د 14 ث